3EShHA - Philippians 1 : 27
 
 شيء يضحك طبعاً لما تعرف إن أول مرة أسمع فيها كلمة "غبي" ومشتقاتها مثل"غباوة" و"يتغابى"، ما كانتش في فصل دراسي لكن كانت في بيتنا، من حوالي أربعين سنة، وانا باسمع الست الوالدة (ربنا يديها الصحة ويخليهالنا) وهي بتصرخ في وشي بعد ماضربت أخويا الأصغر مني وافتريت واستقويت عليه- بجد – وتقول: "ليه الغباوة دي؟ هاتفضل تتغابى كده لغاية إمتى... مش أخوك ده برضه يا غبي؟"...ـ
    وطبعاً في سن السابعة، ماكنتش عارف أبعاد الصفة دي، لكن أنا فاكر أيامها-وخاصة لما بيكون عمي أو خالي موجود- كنت باتصرف تصرفات عجيبة فيها خليط من العناد والتباهي بـ"الغباوة"... والتمادي في ما قد لفت أنظار الكبار لي.. فكان العقاب يأتي لي منهم بكلمة أشد من الأولى غموضاً بالنسبة لسني وقتها.. كانوا يولون وجوههم بعيداً عني- بقرف شديد- ويقولون لوالدتي "سيبيه ده متخلف ومش هايكبر أبداً!"..ـ

Picture
ـ"غبي" و"متخلف".. كلمات تحمل معاني لم أعيها في وقتها.. ولكن مع مثولها في الذاكرة بقوة، أخذت أبحث لها عن معنى.. خاصة بعد معرفتي بالقراءة التي استحوذت على طاقتي كلها.. وتخلصت من غباوتي وتخلفي مع إخوتي، ولم أتخلص من الكلمات التي بقيت عالقة في ذهني تطلب المصالحة مع شبيهاتها في دنيا الفكر الإنساني..


    وطبعاً الانطباع الأول للكلمات، مافارقش دماغي أبداً حتى بعد ما عرفت واتعلمت إن الغباوة هي الجهل.. والغبي هو الجاهل.. وإن التخلف هو الذهاب للوراء بعيداً عن الركب الحضاري.
    وعلى طريقة الشيء بالشيء يُذكر، عشت وقتها أحاول الربط بين مصطلح "الغباوة" الخاص بالست الوالدة.. و"الغباء" اللي اتعلمته لما قالولي إن ده "الجهل".. والتخلف الخاص بحضرتي والآخر المرتبط بالحضارة. وحاولت أصالح المصطلحات على بعض ماصطلحوش.. وأجيب غباوة العنف جنب غباء الجهلاء.. ما أمكنش أبداً.. ولو أنني نجحت بعض الشيء في إيجاد مفهوم يصالح مصطلح "التخلف" الذي كنت أنعت به بناء على معطيات الكلمة بمخزونها الحضاري.. وهو أنني كنت في نظر العم أو الخال أتصرف تصرفات من هي أقل مني سناً وذكاء..


ومرت سنون ودخلت عالم الثقافة والفن ثم عالم الروحانية والدين وتكشف لي عالم المتدينين في مصر، وانحل أمامي فجأة لغز الغباوة المقترنة بالغباء، لما شفت قايين يبعث من جديد، في أثواب مميزة، ودايماً تلاقيه ماسك في إيده أدواته إياها.. وهي في معظمها أدوات إعمال القلب لا العقل.. وطبعاً لأن القلب متقلب وزي ما بنقول عندنا إنه أخدع من كل شيء وهو نجيس.. فأول ما بيتقلب بيروح دابح في أول هابيل جنبه وزي مابتيجي..ما هي غباوة بقى، وسبحان الله يا أخي إن شدة الغباوة في الطعن بتيجي دايماً على أد شدة الغباء والجهل..
    ولاحظت وبدقة إن هابيل عندهم كلهم، هو العالم الأكاديمي والمتخصص في مادته.. ولديه شهادات من أكثر من جامعة من البلاد التي سبقتنا في التخلص من الغباوة.. وإن كل قايين غبي وبيتغابى.. لديه دائماً لقب كبيييييير. ودماغ صغيييييييييييييير وشهادة من معهد أو كلية محلية في جامعة غير معترف بها عالمياً، ومناهج لم يسمع بها لدى المنهجيين.


وخطرت على بالي فكرة، إني أعمل لجنة روحية لفضح الغباوة الدينية- عندنا طبعاً- واربط بينها وبين التعصب الديني وتحريم وتكفير الآخر والمصاحب لتخلفنا عن كل كنائس العالم، ولقيت الأستاذ خالد عبد الفتاح أمين، الأمين العام لحزب الوفد سابقاً، سبقني وأنشأ حركة سياسية أسماها(مواطنون ضد الغباء)! قلت أعمل موقع على شبكة الإنترنت.. لقيت 20 موقعاً مهتماً بالغباء العربي بكافة أنواعه (اجتماعي وديني وسياسي وعلمي وثقافي ورياضي...إلخ) والعجيبة إن في معظمها مقالات وفيديوهات تحمل عنوان (الغباء المصري).. هذا البلد الذي اشتهر بالحكمة قديماً.. وكنيسته التي تميزت في وقتها بالعلم والتفسير..
    وطبعاً لما أصدقائي عرفوا بالموضوع نصحوني وقالوا "بلاش.. واحد متخلف من اياهم يتغابى عليك.."ـ


    نهايته.. قررت إني أتابع الفكرة لعلها تلد- كما عودتني الأفكار دائماً- أفكاراً أخرى، وهذه الأخرى تزيد وتتزاوج مع أفكار أخرى من نفس الفصيل وتتكاثر، حتى لا يجد الغباء مكاناً فيرحل عنا ونرحل عن تخلفنا (موت يا حمار)ـ


    عدت بالذاكرة وأدوات التحليل، إلى أمي.. وجيلها الذي استطاع بذكائه الفطري الربط العبقري بين الغباء والعنف، وأطلق النعت الدقيق للحالة.. واصفاً كل عنيف بالغبي.. والعنف بالغباوة.. وتصرفات المتباهي بغبائه.. بالتخلف!ـ


    ومن هنا استطعت أن ألغي الصلة المطلقة بين الغباء عند المصري والتعليم، ولو أنها موجودة وكلنا يعلم فداحتها على جيل بأكمله، أصيب بالغباء والتخلف المشهود له من الجميع بلا استثناء.. إنما أنا أنفي أنها السبب الرئيسي للداء..


    لماذا؟ لأن أول من تغابى على أخيه، لم يحظ بشرف الانتساب إلى إحدى مدارسنا، ولم يتلوث ذهنه البكر بعجائب المواد التي تدمر أحسنها عقل.. إذن ما هو سر الغباوة القديمة قدم قايين هذه؟؟ وياريت برضه نعرف سر التخلف، خاصة وإن السيد قايين كان في أول الدنيا ما قالت يا دنيا! وقبل ما نقول يا تخلف!ـ


   شوف يا سيدي.. بمجرد اقتناع فرد أو جماعة أو شعب أو أمة، أنه الكبير.. والأول.. والأحق.. وصاحب الحق.. ثم يصدق نفسه ويحيا هذه الفكرة.. ثم يجد في قوته ومقدرته وأدواته ما يزيح به أي آخر قد يتمكن من التقدم أو التفوق عليه، خاصة في موضوع الدين.. ومين اللي يعرف ربنا.. طوالي بيتوكل على إلهه- أو بياخد التوكيل من إلهه- ويبتدي يكفر أو يحرم أو يحلل دم أي واحد يجرؤ على التقدم خطوة بدونه.. أو مغايرة لخطوته.. مابالك لو ضد خطواته.


    لذلك – ولا تتعجب– حين تعرف أن هذه الصفات بعينها يتصف بها كل متدين في العالم- لا أقصد روحاني بالحق- حتى ولو كان متعلماً في أمريكا وأوربا وكندا، المهم إنه يكون شرب سم الغباء الأزلي بتاع قايين، وتبني مهمة الرجوع بإنسانيته للوراء.. للوراء.. للوراء.. متخطياً كل خطوط الضياء نحو الظلمة الأبدية.. وده عشان مانظلمش وزارة التربية والتعليم، لأنها مسكينة.. ماذا تفعل في إنسان ولد ليقتل الإنسان بأي أداة في يده.. وأعظمها 

القتل باسم الله.. طيب والحل إيه؟

    أول حاجة عملتها خالتي فرنسا في بداية النهضة الأوربية، إنها جردت الكنيسة من أدوات قد تستخدمها مرة أخرى ضد الإنسان، وفي نفس الوقت أعطت الإنسان أدوات– حقوقية ومعرفية- تجعله أكثر ذكاء وتقدماً في مواجهة أي غباء أو تخلف مستقبلي يصدر عن أي فرد أو مؤسسة تتحدث باسم الإله الذي يقتل الحياة ويدمر قيم الإنسانية.


    وهذا فعلته وقننته قبل إنشاء وترتيب نظم التعليم ومعامل البحث العلمي، أي أنها حصنت الإنسان أولاً ضد الداء القاييني (نسبة لقايين)، وطعمت شعبها بمصل ضد سم الغباء والتخلف الذي ارتدى عباءة الدين واستخدم أدواته وسلطاته ضد الإنسان وتقدمه.. لذا فأي محاولة للتقدم وإنهاء حالة الغباء والتخلف لابد أن تبدأ بالتطعيم ضد سم الحية القديمة.. ووضع حاجز قوي مكون من بشر حقيقيين لا من أشياء أو أنصاف بشر.. فصناعة الإنسان هي مشروع الله الحقيقي الأهم.. كما أن صناعة الموت والجهل هي مشروع شيطاني أوحد..
     وهذه أمثلة إنسانية تحتذى للعقل الذي عرف مكمن الداء- أقصد العقل الأوربي- واستأصله من جذوره ، و تخطى عصور ظلمته ونجح في وضع القيم التي تحفظ الإنسانية على قمة أولوياته ـ


Picture
 


Comments

Mina Nabil
08/08/2011 07:49

7elwa awy, God bless u a7'oya Maher, we rabena ye7arar 3e2olna men el 3'aba2 wel tafkeer be tare2et 2el 3alam!!

Reply
07/01/2012 03:21

اعجبت جدا بالربط بين العنف والغباوة والغباوة بالجهل ومشاركة حضرتك فعلا جذابة جدا لانها اكدتلى الربط واتمنى اننا نتغير فى اهم نقطة بتوجع الكلام شكرا

Reply



Leave a Reply